الشيخ محمد رشيد رضا
475
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الخياط ، ولا تهتموا برزق الغد ، الخ ونحن نراكم على نقيض كل ما جاء في هذه الكتب ، فأنتم لا تخضعون لكل حاكم بل ميزتم أنفسكم ، واستعليتم على الشرائع والحكام من غيركم ، وإذا اعتدي على أحد منكم في بقعة من بقاع الأرض . تجردون سيوف دولتكم وتصوبون مدافعها على بلاد المعتدي ودولته لا عليه وحده ، حتى تنتقموا لأنفسكم بأضعاف ما اعتدي به عليكم . ولا همّ لاممكم ودولكم الا امتلاك ثروة العالم وزينته ونعيمه . وتسخير غيركم من الأمم لخدمتكم بالقوة القاهرة . والاستعداد لسحق من ينافسكم في مجد هذا العالم الفاني . لعدم اهتمامكم بمجد الملكوت الباقي ، فنحن لا نصدق بأنكم تدينون اللّه بهذه الكتب التي تدعوننا إليها ، حتى تقيموها على وجهها ، - فهل يعد دعاة النصرانية مثل هذا الخطاب لهم اعترافا منا بسلامة كتبهم من التحريف والزيادة والنقصان ؟ أم يفهمون انه حجة مبنية على التسليم الجدلي لأجل الالزام ؟ نعم يفهمون هذا ولكنهم يقولون لعوام المسلمين ، ان هذه الآية شهادة للتوراة والإنجيل بالسلامة من التحريف ! ! . وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً هذه جملة مستأنفة مؤكدة بالقسم الذي تدل عليه اللام في أولها ، تثبت أن الكثير من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن الذي أكمل اللّه به الدين ، المنزل على محمد خاتم النبيين ، الا طغيانا في فسادهم ، وكفرا على كفرهم - ذلك بأنهم ما كانوا على ايمان صحيح باللّه ولا بالرسل ، ولا على عمل صالح مما تهدي اليه تلك الكتب ، وانما كان أكثرهم على تقاليد وثنية ، وعصبية جنسية ، وعادات وأعمال ردية ، فهم لهذا لم ينظروا في القرآن نظر إنصاف ، وليس لهم من حقيقة دينهم الحق ما يقربهم من فهم حقيقة الاسلام ، ليعلموا أن دين اللّه واحد فما سبق بدء وهذا اتمام . بل ينظرون اليه بعين العصبية والعدوان ، وهذا سبب زيادة الكفر والطغيان . - والطغيان مجاوزة الحد المعتاد وأما غير الكثير ، وهم الذين حافظوا على التوحيد ، ولم تحجبهم عن نور الحق تلك التقاليد ، فهم الذين يرون القرآن بعين البصيرة فيعلمون أنه الحق من ربهم ، وان من أنزل عليه هو النبي الأخير المبشر به في كتبهم ، فيسارعون إلى الايمان ، على حسب حظهم من العلم وسلامة الوجدان .